الشيخ محمد الخضري بك
127
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
لما كان عليه المسلمون من التعب ، فكان يشقّ عليهم أن يحفروا لكل شهيد حفرة . ولما رجع المسلمون إلى المدينة سخر منهم اليهود والمنافقون ، وأظهروا ما في قلوبهم من البغضاء ، وقالوا لإخوانهم : لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا « 1 » . وهذا الذي ابتلي به المسلمون درس مهمّ لهم يذكرهم بأمرين عظيمين تركهما المسلمون فأصيبوا : أولهما : طاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في أمره ، فقد قال للرماة : لا تبرحوا مكانكم إن نحن نصرنا أو قهرنا ، فعصوا أمره ونزلوا . الثاني : أن تكون الأعمال كلها للّه غير منظور فيها لهذه الدنيا التي كثيرا ما تكون سببا في مصائب عظيمة ، وهؤلاء أرادوا عرض الدّنيا ، والتهوا بالغنائم حتى عوقبوا ، وفي ذلك أنزل اللّه في سورة آل عمران التي فصّلت غزوة أحد وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ « 2 » فسبب هذا الابتلاء ؛ التنازع فينبغي الاتفاق ، والفشل فينبغي الثبات ، والعصيان فينبغي طاعة الرئيس . نسأل اللّه التوفيق . غزوة حمراء الأسد لمّا رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة أصبح حذرا من رجوع المشركين إلى المدينة ليتمّموا انتصارهم ، فنادى في أصحابه بالخروج خلف العدو ، وأن لا يخرج إلّا من كان معه بالأمس ، فاستجابوا للّه والرسول من بعد ما أصابهم القرح « 3 » ، فضمّدوا جراحاتهم ، وخرجوا واللواء معقود لم يحلّ ، فأعطاه عليّ بن أبي طالب ، وولّى على المدينة ابن أم مكتوم ، ثم سار الجيش حتى وصلوا حمراء
--> ( 1 ) سورة آل عمران اية 156 . ( 2 ) اية 152 . ( 3 ) الجرح .